الشيخ محمد رشيد رضا

390

تفسير القرآن الحكيم ( تفسير المنار )

في وصول فضل اللّه وعنايته ورحمته واحسانه إليهم ، وذلك كالأمر المشاهد المحسوس ، فإذا كانت آثار عنايته واصلة إلى جميع الحيوانات فلو كان في اظهار هذه المعجزات القاهرة مصلحة للمكلفين لفعلها ولأظهرها ، ولا متنع أن يبخل بها ، مع ما ظهر انه لم يبخل على شيء من الحيوانات بمصالحها ومنافعها ، وذلك يدل على أنه تعالى انما لم يظهر تلك المعجزات لان اظهارها يخل بمصالح المكلفين ، فهذا هو وجه النظم والمناسبة بين هذه الآية وبين ما قبلها واللّه أعلم ( الوجه الثاني في كيفية النظم ) قال القاضي انه تعالى لما قدم ذكر الكفار وبين أنهم يرجعون إلى اللّه ويحشرون ، بين أيضا بعده بقوله ( وَما مِنْ دَابَّةٍ . . . ) في أنهم يحشرون . والمقصود بيان ان الحشر والبعث كما هو حاصل في حق الناس فهو أيضا حاصل في حق البهائم . اه بنصه والقارئ يرى أن الوجه الثاني الذي اعتمده القاضي من كبار مفسري المعتزلة ليس مبنيا على مسألة خاصة بهم . وأما الوجه الأول الذي اعتمده الرازي من كبار مفسري الأشعرية ومتكلميهم فهو مبني على مذهب المعتزلة وفريق من أهل السنة دون الأشعرية في رعاية مصلحة المكلفين في أحكام الباري تعالى وأفعاله المتعلقة بشؤونهم . والإمام الرازي قد أثبت المصلحة هنا وفي مواضع أخرى ولكنه كثيرا ما يردها أو يرد ما بني عليها . والذي عليه المحققون ان مسألة الصلاح والأصلح ثابتة لا ريب فيها وان الخطأ والضلال انما هو في قولهم ان ذلك واجب عليه سبحانه وتعالى ، وليس عندنا نقل صحيح صريح عن المعتزلة في ذلك ، ونقل المخالف لا يعتد به كما قال الفقهاء . وانما يقال في كل ما ثبت له من صفات الكمال وما تتعلق به من الافعال المطردة انها واجبة له لا عليه ، لأنه سبحانه هو الاعلى فلا يعلو عليه شيء في شيء ومذهب الأشعرية ان مراعاة المصلحة ليست من الكمال الواجب له تعالى ويحتجون على ذلك بأمراض الأطفال والبهائم . وفي هذه الحجة بحث لا محل له هنا . وقد أشار الرازي بقوله « ويتفضل عليهم بذلك » إلى أن مراعاة المصلحة تفضل لا يجب اطراده . فهو مما يجوز في حقه لا مما يجب في حقه تعالى وقال أبو السعود في أول تفسير الآية : كلام مستأنف مسوق لبيان كمال قدرته عز وجل وشمول علمه وسعة تدبيره ليكون كالدليل على أنه تعالى قادر على